عثمان بن جني ( ابن جني )
117
الخصائص
وأمثاله كثير . كل ذلك الوقوف على عروضه مخالف للوقوف على ضربه ، ومخالف أيضا لوقوف الكلام غير الشعر . ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا الموضع في علم القوافي . وقد كان يجب أن يذكر ولا يهمل . ( رجع ) وكذلك جميع ما جاء من الكلم على حرف واحد : عامته على الفتح ، إلا الأقلّ ؛ وذلك نحو همزة الاستفهام ، وواو العطف ، وفائه ، ولام الابتداء وكاف التشبيه وغير ذلك . وقليل منه مكسور ، كباء الإضافة ولامها ، ولام الأمر ، ولو عرى ذلك من المعنى الذي اضطرّه إلى الكسر لما كان إلا مفتوحا ، ولا نجد في الحروف المنفردة ذوات المعاني ما جاء مضموما ، هربا من ثقل الضمة . فأمّا نحو قولك : اقتل ، ادخل ، استقصى عليه ، فأمره غير معتدّ ؛ إذ كانت هذه الهمزة إنما يتبلّغ بها في حال الابتداء ، ثم يسقطها الإدراج الذي عليه مدار الكلام ومتصرفه . فإن قلت : ومن أين يعلم أن العرب قد راعت هذا الأمر واستشفّته ، وعنيت بأحواله وتتبعته ، حتى تحامت هذه المواضع التحامى الذي نسبته إليها ، وزعمته مرادا لها ؟ وما أنكرت أن يكون القوم أجفى طباعا ، وأيبس طينا ، من أن يصلوا من النظر إلى هذا القدر اللطيف الدقيق ، الذي لا يصح لذي الرقة والدقة منا أن يتصوّره إلا بعد أن توضح له أنحاؤه ، بل أن تشرّح له أعضاؤه ؟ . قيل له : هيهات ! ما أبعدك عن تصوّر أحوالهم ، وبعد أغراضهم ولطف أسرارهم ، حتى كأنك لم ترهم وقد ضايقوا أنفسهم ، وخففوا عن ألسنتهم ، بأن اختلسوا الحركات اختلاسا ، وأخفوها فلم يمكّنوها في أماكن كثيرة ولم يشبعوها ؛ ألا ترى إلى قراءة أبى عمرو " ما لك لا تأمننا على يوسف " مختلسا ، لا محققا ؛ وكذلك قوله عز وجل : أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [ القيامة : 40 ] مخفىّ لا مستوفى ، وكذلك قوله عزّ وجلّ : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [ البقرة : 54 ] مختلسا غير ممكّن كسر الهمزة ، حتى دعا ذلك من لطف عليه تحصيل اللفظ ، إلى أن ادّعى أن أبا عمرو كان يسكّن الهمزة ، والذي رواه صاحب " 1 " الكتاب اختلاس
--> ( 1 ) يريد سيبويه ، وانظر كتابه ( 2 / 297 ) ، وهذا الذي رواه صاحب الكتاب رواه القراء أيضا ، ورووا مع هذا الإسكان . وممن روى الإسكان أبو محمد اليزيدي ، وهو من هو في القراءة والبصر بالعربية . ومثل أبى محمد ما كان ليرمى بإساءة السمع ، وقد روى أدق من هذا وأصنع